Connect with us

قصص

الفؤاد العليل (الجزء الأول) 1

Heba Bakheet

نشر

على

الفؤاد العليل (الجزء الأول)

الفؤاد العليل (الجزء الأول) 1، قصة قصيرة بعنوان “الفؤاد العليل” تدور أحداثها حول حياة شاب تعرض لصدمات شديدة في حياته.. أدت به في نهاية المطاف الى الإلحاد.. وسنري معا هل يستمر في طريقه.. أم تمتد له يداً حانية تنتشله من غياهب الفكر والحياة.

إسمي فؤاد

إسمي فؤاد

إسمي فؤاد

صراخ..صراخ

صراخٌ يرتج له المكان..يتساقط طلاء الحوائط الردئ الذي يغلف المبنى..مكان كئيب ملئ بالشقوق يكسوه الضباب ولا أعرف مصدره.. لا تفلح معه كذلك تلك الإضاءة الخافتة بل تزيد الأمر سوءاً..هناك أيضا تلك الرائحة الخانقة الحارقة..هل للأفكار رائحة؟!..غريب هذا.

مرحباً أنا “سدرة” أستاذ مساعد الطب النفسي بجامعة القاهرة..  منذ خروجي على المعاش وأشعر أن عملي أصبح شرفياً أكثر من كونه مؤثراً.. فعملت في إحدى المستشفيات الإستثماري للطب النفسي.. وهناك لم يختلف الأمر كثيراً فأغلب الحالات إما من الشباب المدمنين أو من كبار السن الذين قد أصيبوا بمرض الزهايمر اللعين .. ولكن  لأكون أكثر واقعية فهذا المكان هو أقرب لدار مسنين من كونه مشفى، هناك فقط ” فؤاد”.. فطوال فترة عملي- والذي قارب الثلاثون عاماً- لم أقابل حالة مثل حالته..الشاب العشريني الوديع الصامت..صاحب النظرات الطويلة الباهتة..خواءٌ رهيب يغلف كل شئ يتعلق به..أحيأناً أشعر أن لا جسد تحت ملابسه..لولا رأسه الخارج من ياقة قميصه لظننته شبحاً خارجاً من أحد أفلام الرعب القديمة.

ما قصته..لم تسألون؟.. أري الفضول يطل من أعينكم ..ولعله فضولي أنا أيضا لأجد من يشاركني في علاج تلك الحالة العصية.

بدأ الأمر منذ منذ…

شاهد أيضا: الاكتئاب : مرض له 7 أنواع مختلفة| تعرف عليهم بالتفصيل

كم أحب رائحة الشواء..”أبي” يقوم بطهي قطع اللحم والدجاج كأمهر طاه..”أمي” دائما تداعبه بأنه لابد وأن يقوم بفتح قناة على التطبيق الشهير “يوتيوب”..لا يلتفت “أبي” لها كثيراً فهو يكتفي بحفل الشواء هذا _والذي يقوم به كل شهر_ لإرضاء “جدي” في تجمع الأسرة على هذا الطعام الشهي.

“أمي” أيضا بارعة في صنع المخبوزات.. كم أحب رائحة البيت كلما طهت “أمي”.. كثيرا ما نري سوياً قنوات الطبخ..أو إممم.. لعلني أختلس النظرات معها فهي لا تحب من يقاطعها عندما تندمج مع تليفونها المحمول..هذا الجهاز العجيب وعالمه الساحر.. لطالما حلمت أن أمتلك مثله ولكن هيهات.. فأنا لازلت في السادسة من عمري.

إسمي “فؤاد”, أحب اللون البنفسجي والفراشات والرسم والتلوين..أحب الجري واللعب والطعام الشهي من يد “أمي” و”أبي” وجدتي..وأحب ياسين صديقي وأخته مودة..وأحب كثيراً كثيراً الألعاب على تليفون “أبي”..هناك أشعر بالقوة والفرحة..

بداية ألم

بداية ألم

بداية ألم

مات “أبي” وأنا على أعتاب المراهقة..عمري الآن اثنا عشر عاماً.. كانت حادثة شنيعة.. لقد طار جسده وكأنه ريشة في مهب الريح ليستقر بعد عدة أمتار غارقا في دمائه فاقد الحركة والحياة..لازلت صغيراً ولكن أشعر وكأني.. وكأني في عمر جدي..واساني من حولي كثيراً.. ولكن لازال الألم قابعاً كوحش ينتظر لحظات نومي لأصحو غارقاً في صراخ مكتوم؛ يظنه من حولي مجرد أنين.

مقالات ذات صلة  الخروج من الإكتئاب

لجأت “أمي” إلى إعطائي تليفون “أبي” عله يؤنسني قليلاً..أصبحت كثيراً ما أهرب من أحزاني في لعب “بابجي” و”فري فاير” و…. كنت ألعب بالساعات لا يوقظني سوى صوت “أمي” وهي تدس بعض اللقيمات في فمي..أصبحت لا أرى أحداً تقريباً وهذا أفضل..فما أريد من الدنيا؟ معي “أمي” و”أبي” أقصد.. تليفون أبي.

شاهد أيضاً:أهم 9 أعراض | الاكتئاب النفسي عند الاطفال والمراهقين

أقبل عام”٢٠٢٠” وجاءت معه “جائحة كورونا” وحُبسنا في المنازل..صبراً لقد كانت تلك الفترة أفضل ما حدث لي..انطلق بث قناة تدعي “نتفلكس”..وااااااو  ما هذا العالم الرائع!! لكم حلمت أن أكون كأحد أبطال تلك الأعمال التي يقدمونها ..وتحقق حلمي سريعاً ..امممم ليس بنفس الشكل ولكنه قريب..هناك تطبيق حديث يدعي “تيك توك” ..إنه عالمنا الحقيقي نحن الشباب..قمت بعمل حساب هناك وسراً وصدقاً أنا لا أقوم بعمل أي شئ سوى فتح كاميرا تليفون “أبي”، ثم لا شئ..لا لا ..لا أقصد لا شئ.. ولكن أقصد أني أستمتع كثيراً وأنا أقوم بعمل تلك الفيديوهات والتي لا تتعدى الدقيقة.. وكأني لا أقوم بعمل شئ مرهق ويصعب القيام به.

أشتاق لأبي وأنفاسه وأحضانه.. ولكن يعانقني هاتفه، أصبحت “أمي” تصيح كثيراً ..ولكني لا أهتم.. لا مدارس ولا دراسة وهناك تلك التطبيقات الرائعة و”نتفلكس” التي تمثل لنا معشر الشباب الماء والهواء.. ثم كيف نسيت .. أنا الآن “أرمي”! .. أي من مشجعي فرقة “bts الكورية”،  آآآه إنهم رائعون.

اختفى صياح “أمي”.. أفضل؛ هكذا أفضل.. ثم إنني الآن في السابعة عشر من عمري ولدي مليون متابع على “تيك توك” وأعرف أغلب أفلام ومسلسلات “نتفلكس” والشهر القادم سيزور مصر فرقة “”bts وأنا الممثل لشباب مصر عن “الأرمي”.. كم أنتظر هذا اليوم بشوق..إنه أول يوم في الشهر القادم.

وجاء أول يوم في الشهر.. كم أشعر بالسعادة.. وكم انتظرت هذا اليوم طويلا..  لا أدري أين “أمي”، “خالتي” تقيم عندنا منذ أسبوع تقريباً.. ولكنني لا أهتم فقد كنت مشغولاً طوال هذا الأسبوع في التحضير لمراسم استقبال أشهر فرقة في العالم.. وبما أنني أشهر تيك توكر في “مصر”,, فنحن إذاً متساويان.. كنت أستعد للنزول وأنا في أبهي حُلتي،  شعري مرفوع لأعلى مع تخفيف الجانبين وبنطالى ضيق ولكن لا يهم فتلك الموضة..آه كيف نسيت “السلسلة” و”الحظاظة”، إن عليهما اسم الفرقة.

ما معني قزع؟!.. “خالتي” عندما رأتني قالت إن ما فعلته بشعري يسمي قزع.. وأن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) نهانا عنه.. دائماً ما تعقد “خالتي” المواضيع وتعطيها أكبر من حجمها.. فما العيب في قَصة شعر كتلك!..

-“خالتي” أراكِ فيما بعد فعندي…

-ماذا؟ مابكِ؟  لما الصراخ؟ من معكِ على الهاتف؟

=أمك يا فؤاااااااااااااااااد لقد ماتت أمك يا فؤاااااااااااااد.

ورم في المخ تعاني منه منذ وفاة “أبي”.. عمليات وجرعات كيماوي.. واليوم أُسدل الستار عن حياة.. ولكنها حياة “أمي” هذه المرة.. كف الجسد عن الحركة وعن الحياة.. وكففت أنا عن الحركة فقط.

مقالات ذات صلة  لماذا إنحرفت القيم الأخلاقية؟

شاهد أيضاً:ما هو الاكتئاب الذهاني ؟.. وما هي أعراضه وطرق علاجه الـ3 ؟

الفئاد العليل

فراغ

فراغ

كل شيء أبيض.. الجدران.. ملابس طاقم العمل.. الأسِرَّة التي ننام عليها.. حتي لون البلاط… يظنون أنه مريح  للعين ولكنه يفزعني ..هذا الفراغ يفزعني..لا أعرف كم لبثت هنا لعله العام أو أكثر قليلاً.. منذ وفاة “أمي” من ثلاث سنوات أو يزيد قليلاً وأنا أشعر بالخواء..ولولا رأسي الخارج من ياقة قميصي لظننتني شبحاً خارجاً من أحد أفلام “نتفلكس”.

“سدرة”.. اسم غريب.. أشعر كأني سمعته يوماً.. ولكن أين.. أين؟

“عند سدرة المنتهي”

صوت “أمي” يتردد في أذني كثيراً بهذه الكلمات” عند سدرة المنتهي” وكذا صوت “أبي”.. الأحلام المفزعة التي لا تفارقني يتخللها الآن صوت “أبي” و”أمي” بعد قدوم الطبيبة الجديدة.. “سدرة”.. حانية كأبي، ودائمة الابتسامة كأمي، لعلها تشبهها لو كانت أصغر قليلا، أو لعل “أمي” تشبهها لو كانت عاشت أكثر قليلا.

“سدرة”.. أيكون خلاصي على يديها؟!!

“فؤاد” من أغرب ما رأيت طوال فترة عملي في هذا المشفى.. صامت على الدوام.. لا تعابير على ملامح وجهه.. طائع إلى أقصى حد.. يلتزم بالطعام والدواء.. يري كوابيس مفزعة كل ليلة.. لم يقل لي بالطبع ولا لأي شخص ولكنها تلك الملامح الممتعضة أثناء نومه وأنينه الخافت المكتوم.. جاء المشفى منذ عام ونصف تقريبا..يزوره أهله باستمرار، ولكن لا جديد في حالته.. تم تشخيصه باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بسبب أحداث مريرة تعرض لها في حياته، واليوم حدثت المعجزة..لقد نظر إليً.. إلتقت عينانا للحظات وعندما هممت بالتوجه إليه عاد لشروده..

ظللت طوال اليوم أفكر ما الحدث الذي حدث فجعله ينظر إليً؟!

وجاءاليوم الموعود.. يوم الزيارة هو يوم ثقيل على نفسي كل أسبوع، ولكن لابد منه.. يوجد مريض الزهايمر له حفيدة كقطعة من الحلوى.. أصبحت تأتي مؤخرا مع والدها.. وحقا أُحيي شجاعته في تركها تأتي.. ولعل سبب ذلك ذكاؤها الواضح وكلماتها التي تسبق أعوامها العشرة، رأيتها من بعيد فأقبلت إليها فقد كان لنا حديث قصير في الزيارة الماضية، حول معنى إسمي “سدرة”.

أهلا د/سدرة..أرأيتِ عندما علمت معنى إسمك المرة الفائتة، ذهبت سريعاً لأتعلم أكثر عن “سدرة المنتهي”، ها وماذا تعلمتِ.. الكثير.. ولقد قمت بعمل بحث صغير أتمنى أن تُطالعيه وتخبريني برأيك.. ماشاء الله بالطبع يا حبيبتي..انتظري رأيي وهدية أيضا.. أراكِ لاحقاً.

كنت أشعر بالظمأ فتوجهت لأرتشف قطرات ماء قبل ذروة العمل، لأفاجأ بفؤاد يتطلع إليً من جديد.. يبدو أنه استمع لحديثي مع الفتاة.. هذه المرة كنت بالقرب منه فتوجهت إليه مباشرة وعلى وجهي ابتسامة هادئة علها تشجعه على الحديث، وقد كان.. بصوت خافت مرتعش قال: “عند سدرة المنتهي” فوجدتني بتلقائية ودون تفكير أُكمل الآية””عندها جنة المأوى”.. فشهق.. واتسعت عيناه ..وفقد الوعي.

مقالات ذات صلة  عاشت حزينه وماتت وحيدة (الفصل الثانى )

ظل فاقدا للوعي ثلاثة أيام..

ومضات

ومضات

ومضات

ومضات خفية تأتي من بعيد..أشعر بألم يجتاح جسدي..أحاول الصراخ فيرتد صوتي في صدري فيؤلمني أكثر..لماذا أتعذب؟!!

هل أنا سئ لهذا الحد؟!! لماذا خلقني “الله” في هذا الكون البغيض..أكره أيامي ولا أرى مبرراً للعيش، أشعر أن هذا العالم ليس لي.

ذهبتُ إلى المشفى في ذلك اليوم الفارق..وجدته جالساً يتناول الحساء..اقتربت منه وبصوت هادئ وإبتسامة واثقة ألقيت عليه السلام..نظر إليً نظرته الخاوية المعتادة وقال لي: أحقاً تظنين أن الجنة حقيقة وليست أحلام لبعض البؤساء؟؟…

تجاهلت سؤاله وبنفس الابتسامة قلت له: أحقا تمتلك صوتاً.. ظننت حنجرتك بها عطب وليست طبيعية مثل باقي البشر،عاد لطعامه فقلت: مبارك عودتك لنا وأعتقد من سؤالك أنك مثقف بما يكفي لنجري نقاشات سوياً لعلك على حق، ودون أن أنتظر رده ذهبت إلى حيث باقي مهامي اليومية.

بعد عدة ساعات عدت إليه مجددًا وجدته نائماً ولكن شئ في نفسي حدثني أنه يتصنع  النوم..اقتربت منه وجلست بجواره وقلت له: أتعلم؟ هذا العالم ليس لنا..لم يرد ولكنه فتح عينيه فابتسمت سريعاً واستطردت ..ألا تظن أننا نستحق مكاناً أفضل؟ ألا ترى كم الحياة مليئة بالمآسي والألم والظلم؟..نظر إليً وكأن عيونه تتلألأ بالدموع ولكنه يأبى أن يدع لها فرصة نزول..زفر بشدة ولم يرد..

كم كان عمرك عندما توفيت والدتك؟..نظر بحدة تجاهي وقال لي: ألم تعلمي تاريخ حياتي من التقرير المعلق على سريري..اختزلتم أحداثاً جساماً مررت بها في ورقة واحدة..انتهت حياة “أبي” في لحظة وعانت “أمي” من المرض ولم تدعني أكن بجوارها..فلماذا تظنيني أكترث للحديث معكِ أو مع أي شخص اخر..

تجاهلت كلامه وسألته مجددا: ما علاقة سورة “النجم” بك؟..ولماذا صُعقت عندما أكملت لك الآية؟، زفر باستسلام هذه المرة وقال:”أبي” كان دائما ما يرتل هذه السورة و”أمي” كانت كثيرا ما تردد أيات “عند سدرة المنتهي عندها جنة المأوى”.. وكأني كنت ناسياً لتلك الأحداث ومنذ ظهورك وتتخلل أحلامي المفزعة أصوات “أبي” و”أمي” وهم يرددون هذه الأية “عند سدرة المنتهي” وعندما أكملتي الأية ..تذكرت الأحداث المريرة في حياتي تباعاً.. تذكرت حياتي الهانئة الهادئة في كنف “أبي” و”أمي”..  فقدت الوعي لأنني إلى هذه اللحظة لا أستوعب أني أصبحت وحيداً في هذه الدنيا الظالم أهلها.

-ولماذا قررت الحديث معي فجأة؟!!

=لأنك..لأنك تشبهين ربما “أمي” يوما لو كانت بقيت على قيد الحياة ولأنني تعبت.. تعبت ..تعبت ،لا أجرؤ على إنهاء حياتي ولا أريد أن أستمر في الحياة كذلك ,فقلت في نفسي لعلي أجد لديكِ خلاصاً..

-حسنا ربما أصبت وتجد لدي الخلاص.. أو ربما أكون أنا مجرد تحقيق لرؤيا صادقة تسللت إلى أحلامك المفزعة..

=ماذا تعني؟!

-أعني ربما يكون خلاصك ف المأوى النهائي لنا نحن “عباد الله” .. “جنة المأوى”..

يتبع

تُرى ماذا سيكون رأي فؤاد في كلام سدرة؟.. أسيظل فؤاده عليلاً؟

لنرى في الجزء الثاني والأخير من “الفؤاد العليل”

الفؤاد العليل (الجزء الثاني) 2

 

أنا هبةالله كاتب ومحرر فى موقع البرنسيسة - EL princesa أم أشبه الكثير من الامهات .. اشبهكِ أنتِ أسعى للمعرفة والتعلم ونفع الغير.. أحب الشمس ونور النهار والقراءة والهواء الطلق. معلم مونتيسوري معتمد من مؤسسة غراس لدعم الطفولة المبكرة. حلمي كحلمك.. نشء صالح وبيت هادئ وجنة عرضها السموات والارض..

Advertisement

أحدث المقالات

الأكثر قراءة